أثارت مسألة أداء من عيّنهم مؤخرا رئيس الحكومة وزراء، اليمين أمام رئيس الجمهورية جدلا كبيرا بعد أن رفض الرئيس تعيين موعد للقيام بهذا الإجراء. واختلفت الآراء بشأن هذا الموضوع الذي «شغل الناس». وملأ حيّزا واسعا في وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والمرئية والإلكترونية. ومساهمة منا في هذا الجدل ارتأينا إبداء بعض الملاحظات تخص هذه المسألة الهامة والدقيقة.
فبالرجوع إلى مختلف الآراء والمواقف الصادرة هنا وهناك، نلاحظ أنه طرح جملة من التساؤلات والإشكاليات يتعيّن التوقف عندها.
المسألة الأولى: طبيعة اليمين
من نافلة القول إنّ اليمين الواردة بالفصل 89 من الدستور هي بطبيعتها يمين دستورية مادام قد نص عليها الدستور. وهي بذلك تختلف عن اليمين القضائية. وهي تتضمّن «القسم بالعمل بإخلاص لتونس واحترام دستورها وتشريعها ومراعاة مصالحها والالتزام بالولاء لها، طبقا لما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 89 من الدستور.
ويرى بعضهم أن هذه اليمين تنطوي على احترام الأخلاق الدستورية والقواعد العليا للقانون. ويعتبر أداء اليمين أمام رئيس الدولة إجراء أساسيا لا بدّ من احترامه ومن الضروري أن يتم طبق ما نص عليه الدستور. ولا يمكن بأي حال تجاوز هذا الإجراء خلافا لما يدعيه البعض.
المسألة الثانية: نطاق أداء اليمين 
    لعلّ من أهم الأسئلة المطروحة معرفة ما إذا كان إجراء أداء اليمين أمام رئيس الجمهورية منحصرا في المرحلة التي يتم فيها تشكيل حكومة جديدة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية على معنى الفصل 89 من الدستور، أم أنه إجراء يقع العمل به أيضا عندما تتم تسمية وزراء جدد في نطاق تحوير وزاري، كما هو الشأن الآن.
وبالرجوع إلى أحكام الدستور نلاحظ أن الفصل 89 منه ورد في سياق الحديث عن تشكيل الحكومة بعد إجراء انتخابات تشريعية وقيام الحكومة الجديدة «بعرض موجز عملها على مجلس نواب الشعب لنيل ثقته بالأغلبية المطلقة لأعضائها، وعندئذ يتولى رئيس الجمهورية تسمية رئيس الحكومة وأعضائها» طبق ما ورد بالفصل 89 من الدستور.
وتنص الفقرة الأخيرة من هذا الفصل على أنه «يؤدي رئيس الحكومة وأعضاؤها أمام رئيس الجمهورية اليمين التالية …»
إنّ الصيغة الواردة بهذا الفصل تُثير تساؤلا يتمثل في معرفة ما إذا كان واجب أداء اليمين منحصرا في تركيبة الحكومة الجديدة عند تكوينها مباشرة على إثر الانتخابات التشريعية فقط أم يتم العمل به عند تسمية أعضاء جدد للحكومة في نطاق تحوير وزاري مثلما هو الشأن الآن.
 وممّا لا جدال فيه أن الفصل 89 من الدستور جاء في سياق الحديث عن تشكيل الحكومة مباشرة بعد إجراء الانتخابات التشريعية. ونستشف هذا التأويل من موقع الفقرة المتعلقة باليمين بالفصل 89 وقد وردت في صيغة الجمع. إذ تنص صراحة على أداء اليمين من قبل رئيس الحكومة وأعضائها. والمفروض أن هذا الأداء يتأتى مبدئيا بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ونيل الحكومة الجديدة ثقة البرلمان، وفق ما سبقت الإشارة إليه. فهل يمكن أن نستنتج ممّا تقدّم أن الوزراء الذين تتمّ تسميتهم في نطاق تحوير جزئي لا يخضعون لأداء اليمين مثلما هو الشأن اليوم ؟
هناك قراءتان متباينتان للفقرة الأخيرة من الفصل 89 من الدستور. أولاهما: أن ما ورد فيها خاص برئيس وأعضاء الحكومة   التي تتكوّن بعد الانتخابات التشريعية فقط، استنادا إلى موضع هذه الفقرة، أما القراءة الثانية فإنها تتمثل في أن إجراء القسم ينطبق على أيّ عضو من أعضاء الحكومة بقطع النظر عن ظروف تسميته، سواء عند تشكيل الحكومة بكاملها بعد الانتخابات التشريعية أو في نطاق تحوير وزاري، وذلك استنادا إلى المبدإ القانوني القائل بأنه «إذا كانت عبارة القانون مطلقة جرت على إطلاقها». وبما أن الفقرة الأخيرة من الفصل 89 من الدستور تنص على أداء اليمين من قبل رئيس الحكومة وأعضائها جاءت مطلقة فإنه يقع العمل بها ممّا يؤدي إلى القول بأنه على كل عضو للحكومة أداء اليمين حتى ولو وقع تسميته في نطاق تحوير وزاري.
ومهما يكن من أمر فقد تم تجاوز هذا الجدل. إذ هناك اجماع تقريبا على أن الوزراء الجدد ملزمون بأداء اليمين.
المسألة الثالثة: تأويل أحكام الدستور
    من أهمّ الأسئلة المطروحة معرفة الجهة المؤهلة لتأويل أحكام الدستور.
لقد كان هذا الموضوع محل دراسات هامة وتعرّض لها جهابذة القانون الدستوري، منهم الأستاذان Francis Michel وMichel Troper. وينقسم التأويل إلى عدة أنواع، منها التأويل الواقعي والتأويل العلمي والتأويل الأصلي الذي يصدر عن الجهة التي أصدرت النص أو السلطة التي سيحدث إزاءها النص المراد تأويله آثارا. كما أن القضاء مؤهّل لتأويل النص. ومن البديهي أيضا أن رئيس الجمهورية مؤهل أيضا لتأويل أحكام الدستور باعتباره يكتسب شرعية ديمقراطية نتيجة انتخابه من الشعب انتخابا عاما ومباشرا وسريا نزيها بالأغلبية المطلقة للأصوات، طبق ما جاء في الفصل 75 من الدستور، بالإضافة إلى عنصر ذاتي يتمثل في إلمام رئيس الدولة بالدستور بحكم تخصّصه فيه، وأن التأويل الصادر عنه يعدّ تأويلا أصليا، فضلا على أن السبب الذي من أجله امتنع رئيس الجمهورية عن تحديد موعد للأعضاء الذين تمّ تسميتهم من قبل رئيس الحكومة، يرجع إلى «تورّط البعض منهم في شبهة فساد» خاصة أن البعض منهم اعترف بارتكابه بعض التجاوزات وتضارب المصالح». وقد نشرت صحيفة “الشروق” في عددها الصادر يوم 03/02/2021 تحقيقا حول «شبهات الفساد المتعلقة ببعض الوزراء الجدد الذين تم تسميتهم مؤخرا».
والمعلوم أن مسألة مقاومة مكافحة الفساد أصبحت لها مرتبة دستورية. إذ أنّ القسم الخامس من الدستور خصّص لهيئة الحَوْكَمة الرشيدة ومقاومة الفساد التي ضبط الفصل 130 من الدستور مهمتها مما يشكّل مبررا لموقف رئيس الجمهورية.
المسألة الرابعة: الحلول المقترحة لتجاوز الأزمة الحالية
قدّم بعضهم مقترحات لتجاوز الأزمة الحالية، منها أداء اليمين أمام مجلس نواب الشعب عوض أمام رئيس الجمهورية. وهذا المقترح مردود وينبني على خرق واضح للدستور، مادام الفصل 89 منه نص صراحة على الجهة التي يتم أمامها أداء اليمين، والمتمثلة في رئيس الجمهورية. ولا يمكن إطلاقا أداؤها أمام غيره مادام الدستور نص على ذلك، خلافا لبعض الدساتير الأخرى التي أقرت صراحة بأن أعضاء الحكومة يؤدون اليمين الدستورية أمام البرلمان مثل ألمانيا وسويسرا وكندا. ولا يمكن العمل بهذا الإجراء في بلادنا مادام الدستور قد حسم الأمر. وأقرّ أداء اليمين أمام رئيس الدولة. ولا يمكن أداؤها أمام غيره. 
    ولا وجود لحلول أخرى غير ما نصّ عليها الدستور مهما كانت الاعتبارات. وهناك من اقترح العمل بإجراءات استثنائية، على غرار ما هو معمول به في القانون الإداري. وهو مقترح في نظرنا غير وجيه. إذ أن أحكام الدستور تختلف عن بقية الأنظمة القانونية الأخرى التي كرّس لها المشرّع أحكاما، خاصة أن الفصل 89 من الدستور كان على غاية من الوضوح يوجب أداء اليمين أمام رئيس الجمهورية. ولا يمكن أداؤها أمام غيره، مهما كانت الأسباب ولا اجتهاد أو تأويل أو قياس مادام نص الدستور واضحا لا يقبل أي تأويل أو قياس، ممّا يعني عدم وجود حلول بديلة.
المسألة الخامسة: هل يمكن اعتماد رأي المحكمة الإدارية حول مسألة أداء اليمين ؟
لقد التجأ رئيس الحكومة الى القضاء الإداري بخصوص الاشكال القانوني المطروح المتعلق بأداء اليمين الدستورية. ويقتضي هذا التوجه إبداء بعض الملاحظات من أهمها أن المحكمة الإدارية ليست مختصة بالنظر في مسائل تتعلق بتأويل أو تطبيق الدستور.
وبالرجوع الى الفصول من 23 الى 28 من القانون المؤرخ في 01 /06 /1972 والمتعلقة بالمحكمة الإدارية والمخصّصة لمرجع النظر الاستشاري للمحكمة الإدارية يتبين أنها لم تتضمن أية إشارة الى اختصاص المحكمة الإدارية للنظر في المسائل المتعلقة بتأويل أو تطبيق الدستور. ومن ناحية أخرى فإنه حتى ولو أبدت المحكمة الإدارية رأيا في الاستشارة المعروضة عليها فإنه لن يكون ملزما. إذ لا يعدو أن يكون مجرد رأي استشاري لا يرتقي الى درجة الحكم أو القرار.
ومن المعلوم أن الفصل 101 من الدستور ينص على أنه «ترفع النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الى المحكمة الدستورية التي تبت في النزاع في أجل أسبوع بناء على طلب يرفع اليها من أحرص الطرفين».
وبقطع النظر عن الجدل الحاصل في تأويل أحكام هذا الفصل. إذ يرى بعضهم أن الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا يتعلق باختصاص كل واحد منهما. وانما يخص تداعيات رفض رئيس الجمهورية تمكين الوزراء المقترحين من أداء اليمين أمامه فضلا على عدم تسميتهم طبقا لأحكام الفصل 89 من الدستور.
ومهما يكن من أمر فإنّ الالتجاء الى استشارة المحكمة الإدارية لن يحلّ هذه الأزمة سواء كان رأيها مطابقا لموقف رئيس الحكومة ومخالفا لموقف رئيس الجمهورية أو العكس ما دام رأيها استشاريا بحتا طبق ما سبقت الإشارة اليه.
وعلى كل، لو تم تكوين محكمة دستورية لوقع الالتجاء اليها ولتم إيجاد حل لهذه الأزمة متماشيا مع أحكام الدستور وبناء على حسن تأويله. ومن المؤسف أن هذه المحكمة لم تتكون الى حد الآن رغم مرور أكثر من ست سنوات على ختم الدستور. ويتحمّل مجلس نواب الشعب مسؤولية ذلك كاملة. إذ أن تأخير تكوين هذه المحكمة يرجع الى اعتبارات شخصية وحسابات سياسيّة وحزبية ضيّقة وما آل اليه المشهد البرلماني من تقلبات وعدم وجود أغلبية برلمانية متناسقة ودائمة فضلا على النظام السياسي الهجين الذي أقرّه دستور جانفي 2014 والذي كان متناقضا لما جاء في التوطئة. وهي جزء لا يتجزّأ من الدستور. إذ تضمنت الإشارة الى نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي في اطار دولة مدنية ومبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها. في حين أنه لا وجود لهذا التوازن نظرا الى السلطات الواسعة التي تتمتع بها السلطة التشريعية على حساب السلطة التنفيذية رغم أن رئيس الجمهورية يكتسب شرعية ديمقراطية هامة بناء على أنه انتخب من الشعب انتخابا عاما حرا مباشرا.
وقد أثبتت الأيام أن نظامنا السياسي في حاجة أكيدة الى التعديل. وإن بعض الصعوبات التي تعيشها البلاد متأتية من هذا النظام. ومهما يكن من أمر فإن حل  أزمة أداء اليمين الدستورية الحالية لا يكون الا سياسيا ولا قضائيا. ونرجو أن تتغلب مصلحة الوطن العليا على المصالح الخاصة خاصة وقد أقسم الجميع على الولاء لتونس وخدمة مصلحتها.  
وقد اقترح بعضهم حلاّ لتجاوز هذه الأزمة. وهو تخلّي من وقع تسميتهم أعضاء الحكومة عن هذه المهمّة والذين تحوم حولهم شبهات فساد.ويتولّى في ما بعد رئيس الحكومة تعويضهم بآخرين تتوفر فيهم نظافة اليد والكفاءة. وهو حل وجيه في نظرنا. 
    وغنيّ عن البيان أن مصلحة البلاد تعلو المصالح الشخصية والحسابات السياسية الضيّقة والالتزام بأحكام الدستور.
إنّ الفراغ الكبير الناتج عن عدم انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية من قبل مجلس نواب الشعب رغم مرور أكثر من سبع سنوات على ختم الدستور، هي وضعية يتحمّل تبعاتها «نوّاب الشعب» الذين من المفروض أن يكونوا في خدمة من انتخبهم ولاسيما في خدمة مصلحة البلاد، مخالفين بذلك اليمين التي أدّوها طبق الفصل 58 من الدستور، والمتضمّن الولاء التام لتونس وخدمة الوطن بإخلاص، بالإضافة إلى عوامل أخرى متعددة ناتجة عن عدم وجود أغلبية برلمانية متناسقة وقوية. وممّا زاد الأمر تشعّبا ما اصطلح على تسميته بالسياحة الحزبية، والتغيير الحاصل في الكتل البرلمانية، علاوة على النظام السياسي الهجين الذي أقرّه دستور 27 جانفي 2014. وهو ما تدعو الحاجة معه إلى تعديله.

* أستاذ متميّز بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس

نُشر هذا المقال في النسخة الورقية للشروق – تاريخ النشر 10/02/202

إقرأ الخبر من المصدر