لم تكن أمّ “اسماعيل الخريجي ” تبكِ، كانت تصارع الوجع فتغلبه و يغلبها .
” ما احر نارك يا وليدي ” تقولها بعينين غائرتين بالدّموع و هي تضع يدها على قلبها فكأنّها تقاومه و كأنّه يريد الخروج عن قفصه .
تكاد لا تصدّق ما يحدث، فلعلّ أحدا يوقظها فجأة فتجد أنّ كل الذي حدث مجرّد حلم بغيض .
مُرّ هذا الفراق، و موجعة دموعك جدّا ..
ستذكرين و ستذكرين، و تعدّين على أصابع العسكر أعياد ميلاده القادمة .. و تاريخ ضحكته الأخيرة، و الكلمات التي قالها و هو يودّعك و أنت لا تعلمين .
لعلّكِ يا عزيزة قلتِ حين سمعت بآخر موكب دفن توجّه إلى مقبرة الشّهداء بالحامّة، “حليل ميمته” ..
اليوم، حليلك انت ..
و “حليلنا كلنا” على هذا البلد الذي يختبر حبّنا، فكلّما أثبتناه له زادنا وجعا ..
لا تختبرينا نحن يا تونس، بل ابحثي في صفقات قتلنا و افتحي عيناك الجميلة على وجعنا لعلّكِ تعزّينا قليلا .
لم يمت “اسماعيل الخريجي” و لا غيره ممن خانتهم “الفترة الإنتقاليّة” ولم يمت أملنا فيك .
عاد موكب الدّفن واجما و ناقصا ..
هدأ النّحيب قليلا، و تفرّقت النساء شيئا فشيئا و ألقى الله برحمته على قلب أمّه، فأشهرت عيناها في الجدار و كأنّها ترى رجلا افتراضيا يحدّثها ..
نزلت دمعتاها في تأنٍّ، لن يستعجلها الحزن بعد اليوم .. فله ليالٍ و أيّام طويلة .
و بعد أيّام قليلة، لن يبق في البيت إلّا الصّبر و حبّ تونس .
رحم الله شهداء الوطن و أسكنهم فسيح جنانه .