المشهد الإعلامي التّونسي … المنشود النّبيل و الموجود الرّذيل
بقلم الأستاذ: أسامة نور الدّين باسطي

يقول الإعلامي عبد الله السّناوي : ” إنّ الإعلام مسألة حريّة و مسئوليّة و مهنيّة ” كما يردف بالقول ” عندما تضيق الحريّة فإنّ الكلام عن المسئوليّة أقرب إلى أوهام محلّقة .. و عندما تغيب المسئوليّة فإنّ المهنيّة أوّل الضّحايا “

و المتأمّل في واقع المشهد الإعلامي التّونسي، سيُذهَل من فرط ما يقرأ و يسمع و يرى، فقد اختلط الحابل بالنّابل و تداعت القيم و غابت المسئوليّة و انعدمت المهنيّة و الحرفيّة فأضحىت الرّذيلة منهجا و التّهريج سبيلا و الانحطاط سلوكا و خدمةُ طرفٍ ما كَسبًا… عدا قلّة قليلة لا يكاد يُسمَع لها حديث أو يعلو لها صوت، حيث غرقت في مستنقع الانحطاط و تداعى عليها أهل الرّذيلة فأخفتوا صوتها… إذ أنّ ترذيل المشهد الإعلامي أصبح سياسة واضحة للعيان لا تخفى على أيّ كان، و لسائل أن يسأل من يقف وراء ذلك ؟ و ما الذّي يرمي إليه ؟ هنا تتعدّد الإجابات فمن يقف وراء كلّ ذلك لا يخرج من دائرتين اثنتين، و كلتاهما تصبّ في الأخرى و تكمّلها، إن لم نقل أنّهما تتّحدان في كثير من الأحيان، هاتان الدّائرتان هما: دائرة السّياسة و دائرة المال !! و ما أدراك ما السّياسة، و ما أدراك ما المال… أمّا عن الغايات فإنّها تتعدّد و تتفرّع و لكنّها لا تعدو أن تخرج عن مربّع الدّناءة و الفساد في أغلب الأحيان، لكن ههنا يُطرح سؤال آخر من يتحمّل المسئوليّة ؟؟ من تراه مسئولا عن تنفيذ أجندات المال و السّياسة عبر وسائل الإعلام ؟؟ دون شكّ و لا اختلاف فإنّ المسئول الأوّل و الأخير هو “الإعلاميّ” !! أجل إنّه هو و لا أحدا غيره… فلولاه ما وجد أهل السّياسة و المال طريقا إلى التّنفيذ عبر منصّة الإعلام، فلولا الانبطاح و الاسترزاق و الطّمع و التّزلّف و التسلّق و الانتهازيّة… ما آل الوضع إلى ما هو عليه من تردٍّ و هوان… أصبح الفضاء الإعلامي مسرحا لهرسلة النّخبة من العلماء و المثقّفين أصحاب المبادئ و القيم، الذّين لا يُباعون و لا يُشترون، لا بمال و لا بغيره… كما أصبحت “بلاتوهات” الإعلام مُنطلقا لضرب الخصوم من السّياسيّين و ترذيلهم و استصغارهم بل و تحقيرهم، كما أصبح كلّ من هبّ و دبّ يُفتي في جميع المجالات عبر منصّة الإعلام و في حضور أهل الذّكر حتّى !! و الصّفة المسندة هي “كرونيكور” !! ما هذا أيّها البلهاء؟؟ فالـ”كرونيكور” أو ” الكرونيك ” و هي مستمدّة في الأصل من اللّغة الفرنسيّة و المقصود هنا “La chronique” و التّي هي عبارة عن عمود مقال صحفي مكتوب أو صوتي، أو عمود إذاعي أو تلفزيوني، مخصّص لمجال معيّن من الأخبار، و التّي تتّصف بالانتظام و الاستمرار، فالأمر هنا يفترض التخصًّص، فكيف أستطيع الخوض في مجال بصفة مستمرّة و منتظمة و أتوجّه بخطاب مَا في ذاك المجال للرّأي العام، و أنا لا أفقه منه شيئا و لم أتخصّص فيه لا أكاديميّا و لا من حيث التّجربة و البحث و لا من حيث المهنة و الممارسة؟؟ و هنا يكون المنعرج الخطير، و هنا يكون الانزلاق نحو التّمييع و التّعويم و نشر الجهل… فهل يُعقل أن يُقارِع شبه صحفيّ غير متخصّص و غير متمرّس، عالما في البيولوجيا، في هذا الاختصاص ؟؟ هل تراه أمرا مقبولا أن تُناقش إحداهنّ و هي ” فنّانة استعراضيّة” تفقه في الرّقص و تثمين مؤهّلاتها الجسديّة قصد الإثارة و الكسب… و هذا من حقّها و لا دخل لنا فيه البتّة بل و لا معارضة فيه، فلها الحريّة في اختياراتها و قد نحترمها في ما تقدّمه في مجالها… أمّا أن تناظر و تناقش دكتورا و أكاديميّا متخصّصا في علوم الرّياضيّات، في مسائل علميّة من ذات المجال، و هي التّي لم تبلغ السّابعة ثانوي من المستوى التّعليمي فهذا لعمري عَجب عُجاب !!؟؟

فالمشهد الإعلامي التّونسي أصبح يعيش حالة “زخم ضوضائي” على شاكلة الأمثلة الشّعبيّة القائلة بــ” الكثرة و قلّة البركة ” و ” قالّو تعرفش العلم ؟ قالّو نزيد فيه” و “الزّغاريد أكثر من الكسكسي ” و “خوذ العلم من روس الفكارن” و غيرها كثير… فمن المحزن أن ترى من هبّ و دبّ يعتلي دفّة الإعلام فيعربد و يغرّد نشازا و يعيث فيها جهلا و ابتذالا، فينال الشّهرة و ينال المال… و يسمّم الرّأي العام و يضرّ بالطّفولة و الشّيب و الشّبيبة و حتّى الأمومة… فيهتك القيم و يرمي بالمبادئ عرض الحائط و يدنّس المقدّس و يُقدّس المُدنّس… فيحتفي به أهل السّياسة و أهل المال فيغدقون عليه و يدعمونه و يُمرّرون عبره السّموم و يتّخذوه “كلبا” يطلقونه على كلّ من عارضهم أو أقلق راحة تنفيذ أجنداتهم… في المقابل نخبة البلد بل نخبة النّخبة من الدّكاترة حملة رسالة العلم النّبيلة، يُهانون و يُضربون و يُنكّل بهم، لا لشيء إلاّ لكونهم طالبوا بالعمل و إيفائهم حقّهم… إنّه لواقع مؤلم و عفن…

هنيئا للإعلاميّين من ” الكرونيكيّين ” و غيرهم، بهذا المشهد المتردّي البائس… حضرت الحريّة فغابت المسئوليّة و انتفت المهنيّة فكانت هي الضّحيّة، ما هكذا يكون الإعلام و ما هكذا يكون الإعلاميّ، فصاحبة الجلالة كما يحلو لأهلها أن يُطلقوا عليها، أرقى و أرفع من أن يدنّسها الجهلة و المتشعبطون… فالحريّة تقتضي المسئوليّة و تؤسّس للمهنيّة، حتّى تكون الرّسالة نبيلة بحقّ و حتّى يكون إعلامنا سهّاما و فعّالا في الرّفع من الذّوق العام و دعم مستوى الوعي و الثّقافة لدى عموم النّاس… أمّا عن “الكرونيك” و الذّي يعني على ظاهر اللّفظ من القول: الـ”مُزمن” فلا حاجة لنا به، بل تكفينا جملة الأمراض المزمنة التّي تنخر الفرد و المجموعة فلا حاجة لنا بمرض مُزمن آخر يُدعى ” الكرونيكور و الكرونيكوز” و مرحبا و أهلا و سهلا بأهل الاختصاص و أهل العلم و الثّقافة… و ليتحدّث كلّ في اختصاصه و ليصمت من لا يفقه الاختصاص المُتَحدَّث فيه، و إن كان لزاما عليكم تأثيث المشهد بشيء من الإثارة أو “البووز” كما يحلو لكم تسميته، فليكن و لكن واجهوا المختصّ بمختصّ و لا تواجهوا العالم بجاهل… فكما قال الإمام الشّافعي : ” … ما جادلت جاهلا إلاّ غلبني”، فكفاكم ترذيلا للمشهد الإعلامي و كفاكم تحقيرا و استصغارا للعلماء و النُّخَب… و هُبّوا لخدمة الصّالح العام و ارفعوا الذّوق و ازرعوا بذور الثّقافة و الرقّي… حكّموا ضمائركم و اتّقوا الله في الوطن و أهله … لا تهمّنا كثرتكم على شاكلة “إنّي أسمع جعجعة و لا أرى طحينا”، بل نريد أن يكون الإعلام سلطة رابعة بحقّ، سلطة مسئولة لا يبلغها إلاّ من استحقّها… فواقعكم رذيل و ما ننشده نبيل… فهلاّ أَنرتُم السّبيل؟؟

                                                                  أسامة نور الدّين باسطي